الأساس لا يأتي صدفة
على نغمات تغريد العصافير وتحت ظل شجرة متفرعة الغصون، بصحبة كوب القهوة الذي اعتاد علينا واعتدنا عليه، دار بيني وبين صديقي قبل أيام حوار عن مدى وجود الأساس التنموي والفكري عند الجموع بحيث يستطيع المثقفون وأصحاب الوعي أن يعتمدوا على هذا الأساس ويقوموا بالبناء عليه في التنظير لأفكارهم وخلق جيل شبابي قادر على تحمل مسؤولياته بالشكل المؤثر الفاعل. كان حواراً بناء تبادلنا فيه الآراء والأفكار، وكان لكل منا رأيه والدلائل والبراهين التي تثبت صحة ما يقول. ولعلي هنا لست بصدد سرد الآراء والافكار التي طُرحت، لكني أريد ان أفكر بشكل علني وأشارككم هذا التفكير.
ان قاعدة البناء المعماري قبل ان يتم “صبّها” يسبقها الكثير من المراحل أذكر منها “كوني لست بصاحب اختصاص”، تجهيز الخارطة واعتمادها، وقياس الأحمال والأبعاد المتوقعة، والتعاقد مع المقاول المنفذ، والتعاقد أيضا مع المهندس الذي سيشرف على التنفيذ، هذا كله قبل أن نصل لمرحلة التنفيذ، مما يدلل على أنه حتى بناء القاعدة والأساس تحتاج الى الإعداد والتخطيط والتعاقد لنصل الى القاعدة التي نريد والتي من شأنها أن تكون أساسا بعد ذلك للبناء المراد تشييده. ما أقصده، أن البناء لا يأتي فجأة، ولا تتنظر منا قواعد البناء “أن تتواجد بالصدفة” او “أن تُكَوّن نفسها بنفسها” ثم يأتي بعدها أصحاب الشأن والاختصاص للتخطيط في كيفية بناء المبنى على هذه القواعد.
ان مثال البناء المعماري لهو أوضح مثال على كيفية بناء الحضارات والقيم والمبادئ، بل إن بعض المفكرين يعتبرون حركة بناء المبنى المعماري مثالا واضحا لكيفية تكامل الأعمال وكيفية ترتيب الأولويات في مسيرة حياة الأفراد والأفكار. فلا يعقل من أصحاب الفكر والثقافة التنظير لأفكارهم على أساس افتراض أن هناك قاعدة شبابية مثقفة وواعية تستطيع استقبال هذه الافكار والأطروحات بشكل سلس وسليم، بل إنني أرى أن أولى أولويات المثقف هو التنظير لفكرة بناء القاعدة على أساس سليم قبل التفكير في التنظير لفكره، كصاحب البناء الذي يكون أهم اولوياته الانتهاء من خارطة المبنى ليباشر بعدها التنفيذ.
ان النزول الى الشارع، والاختلاط في الناس والأفراد والعامة والخاصة، والتعامل مع الغني والفقير، المتدين وغيره، أصحاب نفس الفكر وأصحاب الأفكار المختلفة كل ذلك يساهم على بناء تصور واضح حول ماهية فكر الشباب وعلى ماذا يركزون أو يهتمون، وما الذي يغضبهم ويزعجهم، والأهم عن ماذا يحتاجون ويبحثون!!!. ثم لماذا نمر على الأحداث من حولنا مرور الكرام، فهل فكرنا يوماً لماذا يهتم الشباب كثيرا في المباريات الرياضية والمنافسات العالمية ويتعصبون لها، أم جعلنا جل تفكيرنا في هذا الأمر هو انتقاد هذا التصرف فقط!!!
هل فكرنا يوماً في أن الشباب في كل مرحلة عمرية لهم تطلعاتهم وأفكارهم وحاجاتهم التي تختلف بين مرحلة وأخرى،، لماذا نطلب مثلا من طالب الجامعة التركيز على قضايا معينة على الرغم انه من أهم الأمور التي يجب أن يتطلع اليها المثقفون لبناء القاعدة في هذه المرحلة هي حث الطلاب على التركيز في دراستهم والتفوق بها! لأن المرحلة التي يعيشها الطالب تحتاج الى التركيز في هذا الشأن دون غيره لنصل بعدها الى قاعدة سليمة مثقفة واعية. لماذا نجهد كاهل الخريج الجامعي في أفكار وقضايا هي على مسافات بعيدة من تفكيره ووعيه، هل نسينا أنه في هذه المرحلة يكون جُل تفكيره هو كيف يُؤمن حياة كريمة له في الحصول على عمل مناسب يضمن له العيش بكرامة!!؟؟ هل سألنا أنفسنا في يوم لماذا لا يهتم شبابنا الاهتمام الكامل بالقراءة مثلا؟ او بقضايا الامة المصيرية؟ هل فكرنا يوما لماذا يقضي معظم الشباب أوقاتهم في تقليب صفحات مواقع التواصل الاجتماعي مثلا دون فائدة كبيرة مرجوة دون أن نستغل هذه التقنية المهمة جدا وغيرها في توجيه هؤلاء الشباب!!
إن بناء جيل واعي مثقف مهتم بقضاياه ويعمل من أجلها يحتاج من المثقفين ترتيب أولويات الخطاب التثقيفي والجهة الموجه لها الخطاب، فخطاب العامل ليس كخطاب الطالب الجامعي، وخطاب الغني ليس كخطاب الفقير، والاهتمام بحاجات الأفراد وتطلعاتهم والتركيز عليها في مخاطبتهم من الأهمية بمكان فلا يكون كلام المثقفين في الشرق وحاجات الأفراد في الغرب. ولنتذكر دائما أنه ان أراد المثقف والمفكر تكوين قاعدة شبابية صلبة يمكن البناء عليها في نهضة الأمم، عليهم أولا الاهتمام بتقديم النموذج العملي المناسب فكما يقولون “إن أفضل دعاية تقدمها لنفسك هي مدى انجازاتك التي قدمتها”.
ولنا لقاء ،،،




