كاسة الشاي الأخيرة

من سلسلة “مع أبي
(9)

بعد عشر سنوات، ها انا أجلس في نفس المكان الذي كان يجلس فيه، شرفة صغيرة تطل على شارع مظلم ليس بسبب انقطاع الكهرباء ولكن هذه المرة لأنني لا أجد نور وجهه فيه. أجلس على الكرسي وأمامي طاولة صغيرة أضع عليها كاسة الشاي التي اعتدت أن اشربها في كل مرة اجلس فيها في هذا المكان، ليس حبا للشاي فأنا من عشاق القهوة، ولكنه حبا وذكرى لكاسة الشاي الأخيرة التي كانت بين يديه في هذا المكان.

عشر سنوات، ربما تغير شيء كثير، لكن الثابت الوحيد في هذه العشر بأن ذلك اليوم هو يوم لا ينسى. ربما حاولت نسيانه، أو تناسيه، ولكنني لم أنجح، ككثير من الأمور التي لم أنجح بها، ولكن عدم نجاحي هنا أعتبره نجاحا ونصرا كبيرا، فأنا لا أريد لذاك اليوم ان أنساه أبدا.

بابا! بدنا نروح ناكل برا؟ طلبت الإذن منه لنأكل في الخارج في أي مطعم يختاره، فرد عليّ قائلا: “خود اخوتك واطلع معهم، ودربالك عليهم”. في سنّي ذلك قبل عشر سنين كان من النادر جدا أن أكون مسؤولا عن شيء في حضرته، ذلك لأنني كنت أظن بأن دوري في المسؤولية اتجاه المنزل يكون لاحقا لمسؤوليته هو، وفي غيابه، ولم أكن أعرف وقتها بأنه يريد منّي أن أتحمل هذه المسؤولية، ربما لو كنت اعرف يومها ذلك لما فارقته دقيقة كي أقضي اطول وقت ممكن معه. اليوم وبعد فترة طويلة في الزمن ولكنها قصيرة في عمر الذاكرة، أستذكر كل كلمة وكل لحظة كيف كانت ذات مغزى، أستذكرها والدموع تنهمر لتؤكد بأن الزمن مهما تقادم ستبقى هذه الدموع الغزيرة وكأنها تعيش في ذلك الوقت.

يا ترى بماذا كان يفكر في ذلك اليوم وهو يمسك بكاسة الشاي ويشرب منها ببطئ؟ ربما ليس من الصعب أن أعرف الإجابة، فالجواب بالتأكيد كان يفكر بنا، أسرته. يقيني بأن الجواب هو كذلك نابع من تلك الصفة الموجودة عندي وهي كثرة تفكيري بمن حولي من أسرتي، تلك الصفة التي أوقن بأنني أخذتها منه، وكم أنا محظوظ بأنني أمتلك صفة من صفاته. لقد كان يفكر في كل شيء، ابناء تجاوزوا العشرين بقليل، يشقون طريقهم، يدرسون في الجامعة، ويجب أن يتحملوا مسؤولية، وآخر أنهى دراسته المدرسية والتحق بكلية الطب ويحتاج الى مصاريف كبيرة جدا، وأخرى لا زالت طفلة تريد الرعاية، بالإضافة الى مسؤوليات العائلة المختلفة. اليوم وبعد سنوات، أيقنت بمدى أهمية وعظمة هذا التفكير.

لو أنه عاش بيننا إلى اليوم “ولو هنا لا تفتح عمل الشيطان” لكان رأى جواب كل الأسئلة التي كانت تدور في رأسه في تلك الليلة وتلك الفترة، لكان عاش تلك الاجابات معنا، ورأى ثمار الغرس الذي لطالما فكَر كيف سيكون؟ كان سيرى من كان يفكر كيف سيوفر مصاريف دراسته طبيبا لا يتوانى عن مساعدة كل من يحتاج لذلك، ولرأى تلك الطفلة تدرس الطب في عامها الخامس، وعلى صغر سنها في ذلك الوقت إلا أنها لا تنسى أبدا أن تذكر اسمها ثلاثيا، علّها تستذكر ذلك الرجل الذي كان يتساءل كيف سيكون مستقبلها؟ لو كان يعيش بيننا لرأى امرأة صابرة، أكملت المسيرة من بعده وعلى نهجه، ولو كان يعيش بيننا لرأى أسرة متماسكة مترابطة يفكر الواحد فيها بالآخر قبل أن يفكر بنفسه. لو كان يعيش بيننا لكان افتخر بهذا الغرس الذي بدأه.

ومن قال بأنه لا يعيش بيننا، هو معنا في كل وقت، في كل مناسبة، في كل انجاز، في كل كلمة نتحدث بها، في كل كاسة شاي نشربها مجتمعين، وفي كل مرة نجلس بها على تلك الشرفة. هو معنا بتلك الأوراق وقصاصات الورق التي هي بخط يده، نستذكر من خلالها كيف كان يحب الكتابة، بذلك الخط الذي تستطيع تمييزه مباشرة، بتلك الأوراق التي كان يخطها بآيات التفسير والقرآن والأحاديث، بتلك الكلمات التي كان يتحدث بها معنا، بتلك النصائح التي لا تغيب عن بالنا.

أما أنا، فشربت اليوم كاسة الشاي، وصلّيت في نفس المكان الذي كان يحب الصلاة فيه، وجلست في المكان الذي كان يحب الجلوس فيه، وتساءلت في نفسي ان كنت قد نفّذت ما طلبه مني في ذلك اليوم وهو يشرب من كاسة الشاي الأخيرة بقوله “دربالك عليهم”؟ فكانت اجابتي: انني أحاول، وسأبقى أحاول، علّني يوم ألقاه في الجنة ويسألني ماذا فعلت بالأمانة، فأجيبه، صنتها وكنت في خدمتها.

رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه.

—–
من سلسلة مع أبي (8) : رفقا

أربع سنوات على التدوين، ماذا استفدت؟

كنت منذ أربع سنوات أسمع عن التدوين، وأعترف أنني سمعت عنه متأخرًا، كنت أسمع أن فلانـًا مدون، وأن فلانة لديها مدونة، وأن فلانـًا أصبح كاتبًا ويكتب في الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية، وفلان وفلانة وكثير ممن أعرفهم أو سمعت عنهم ممن بدأوا هذه الخطوة وارتقوا بها، حتى أصبح للتدوين والمدونين عالمهم الخاص بهم يطوّرونه ويسعون إلى انتشاره.

كان الاطلاع منِّي لحال هذا المجال يثير فضولي، ويجعلني أسأل نفسي دائمًا وباستمرار، ما الذي يجعلهم يحبون الكتابة بهذا الشكل؟ وكيف أن بعضهم أصبح يتقن الكتابة بأسلوب جميل وجذاب؟ وكيف يمكن لشباب في سنّي أن يكتبوا في مواقع مشهورة لصحافة الشباب كالجزيرة توك في ذلك الوقت، أو المواقع الأخرى التي تهتم بمقالات الشباب؟ كل هذه الأسئلة كانت تدور في رأسي، وصاحب ذلك أيضًا البحث عن أهم الأمور التي يجب أن يتمتع بها الشاب كي يصبح مدوّنـًا؟

لا أخفيكم، اليوم وبعد أربع سنوات من التدوين في مدونتي الشخصية، وسنتين من كتابة المقالات في بعض المواقع الإلكترونية التي تهتم بصحافة الشباب ونشر المقالات كالموقع الذي أكتب فيه الآن هذا المقال، لا يهمني كثيرًا التركيز على صفات المدوّن الشخصية أو المهاريّة (على أهمية ذلك بالتأكيد)، ولكن ما يهمني فعلاً هو ماذا يستفيد المدوّن أو الكاتب من الكتابة بشكل شبه متصّل وفي مواضيع تلقى اهتمامه، بل يواصل الاستمرار في الكتابة وينوّع في نوعية المقالات والكلمات المستخدمة والمواقع التي ينشر خلالها، إن أهم ما يمكن الاستفادة منه جرّاء التدوين وهو ما استخلصته بعد أربع سنوات في هذا المجال يمكن أن ألخِّصه بالتالي:

حب القراءة

لا أعني هنا حب القراءة الذي يكون قبل الخوض في مجال التدوين، ولكن ما أقصده هو كيف يجعلك التدوين تحب القراءة أكثر، بل يجعل عندك الشغف على القراءة اليومية في مجالات مختلفة وفي الموضوعات التي تلقى اهتمامك.

إن التدوين الجيد لا يكون إلا بعد القراءة الجيّدة، ونادرًا جدًا أن تجد مدوّنًا مقنِعًا لغيره وهو لا يقرأ، أو أن قراءته ضعيفة، صحيح أنك قد تجد قارئًا نهمًا لا يجيد الكتابة، أو لا يحب الكتابة، ولكنك بالتأكيد لن تجد كاتبًا مبدعًا أو مدوّنًا نشيطـًا لا يقرأ كثيرًا وليس شغوفـًا بالقراءة.

القراءة أكسجين الكتابة، وحِبر القلم، وكلما كان الحِبر جيدًا، كان القلم جيدًا، والفِكر كذلك، والنتيجة الحتمية مقال متزن رصين أو تدوينة هادفة، إنني هنا لا أدعو إلى القراءة الكميّة، أي أن يكون الهدف من القراءة هو التباهي بعدد الكتب المقروءة خلال العام، فليس هذا هو الهدف، وإنما الهدف هو القراءة الكيفيّة التي يبقى أثرها، أي القراءة التي تزيد من رصيد القارئ فكريًّا ولغويًّا، وتجعله قادرًا على التحليل والاستنباط، ومن ثم طرح رأيه، فيكون بذلك نقل ما قرأه وأضاف رأيه عليه في صيغة مقال يستفيد منه من يقرأه بعده.

تحسين جودة الكتابة

نسمع من يقول “جرّب كتير، بتتعلم كتير”، وهذا أراه صحيحًا، فمقالك الأول لن يكون كمقالك الثاني، والثاني لن يكون كالثالث وهكذا، إن عملية الكتابة عملية تراكمية، يستفيد منها الكاتب في كل مرّة يكتب فيها، فيطوّر ويحسن من أسلوبه، ويجتهد في أن تكون لعباراته أثر وقوّة، ومع الممارسة سيصبح عند الكاتب القدرة على بناء المقال بشكل صحيح، فيبدأ من المقدمة وينوّع فيها ويجعلها شيّقة، ثم يبدأ بالموضوع الذي يريده، وينتهي بالخاتمة ولا ينسى أن يضيف رأيه في المقال، فالقارئ كما أنه يعنيه أن يعرف عن الموضوع الذي يقرأه، يعنيه أيضًا أن يعرف رأي كاتب المقال، وربما هذه الجزئية هي ما تميّز كاتبًا عن غيره، وهي التي تبيّن مدى عمق أفكار الكاتب عن غيره.

لقد أتاحت مواقع التواصل الاجتماعي أمام الشباب فرصة الكتابة والتعبير عن آرائهم، وفرصة تحسين كتاباتهم ومشاركة ذلك مع أصدقائهم، لذلك فإن أهم ما يمكن أن يستفيده أي كاتب من كل مقال يكتبه هو أن يتعلم منه ويحسّن فيما بعده فيكون أكثر إقناعًا وأكثر عمقـًا.

الجرأة في طرح الأفكار والتعبير عن الذات

إنني لأجد أن التدوين من أهم الوسائل التي تجعل الإنسان يثق بذاته وقدراته، فهو يعد مزيجًا من مدى فهم الإنسان لما يقرأه، ومدى قدرته على استخدام لغة صحيحة في التعبير عما يريده. وليس ذلك فقط، بل إن التدوين يتيح للكاتب أن يعرف رأي الآخرين فيما يكتب، ويفتح أبواب النقاش فيما بينهم، وبالتالي تزداد القدرة والجرأة على التعبير، وتزداد الثقة بالنفس على مواصلة الكتابة فيما يراه الشخص مهمًا.

إن التحدي على أي كاتب هو أن يأتي في كل مرّة بجديد، هذا يعني أن الجرأة لن تكون فقط في طرح الأفكار والثقة بالذات، بل سيتعدى ذلك إلى أن تكون الكتابة تحديًّا ذاتيًا للكاتب نفسه في انتقاء أفضل العبارات والتراكيب اللغوية، وفي الموضوع الذي سيتناوله، وفي طرح رأيه في هذا الموضوع، وفي قدرته على إقناع قارئه، وأعتقد أنه هنا تكمن المتعة في الكتابة.

إن أمر الكتابة يبدأ بالتدوين، فيزيد شغف المدوّن لأن يكون كاتبًا، فيجتهد على نفسه حتى ينشر أول مقال له في صحيفة أو موقع إلكتروني مشهور، ثم يزداد شغفه لأن يكتب باستمرار، أو أن يحظى بفرصة كتابة مقال عمود في أحد الصحف اليومية أو الأسبوعية، ثم يزداد شغفه لأن يخوض تجربة مسابقات التدوين، ثم يزداد شغفه لأن يؤلف كتابًا، ثم يزداد شغفه لأن يخوض تجربة الندوات والمؤتمرات، وهكذا في كل مرة يزداد الشغف إلى الخطوة التي تليها، وكل ذلك مرده إلى مدى الثقة والجرأة في طرح الأفكار التي اكتسبها في بدايات كتاباته، ومدى ثقته بنفسه وقدرته على إقناع قارئه.

الجرأة في النشر على مواقع التدوين المختلفة

لن تجد كاتبًا على الأغلب في مواقع التدوين المختلفة والمشهورة إلا وكان قد نشر سابقـًا على مدونته أو حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي، فلاقى استحسانًا من قرائه، فقرر أن يحسّن كتاباته ليتجرأ على النشر في مواقع التدوين المختلفة، فيزيد عدد متابعيه ويصل بأفكاره إلى عدد أكبر، إن هذه هي ميّزة الجرأة التي يكتسبها المدوّن، فهو مع أول مقال ينشره على أحد المواقع المشهورة، سيجد نفسه في دافعية أكبر للمزيد، ولن يعتريه الخوف من سياسة تحرير الموقع، فطالما أن الموضوع مهم، والكلمات معبّرة، وفي المقال فكرة يود الكاتب إيصالها، فالنتيجة هي نشر ما يكتبه الكاتب، وهو ما يعني زيادة الجرأة على مواصلة النشر.

لكن يبقى القول في هذا الجانب، إن مواقع النشر ليست كلها واحدة، فلكل موقع سياسته في النشر، وتركيزه على المواضيع التي يختص بها، وبالتالي فعلى المدوّن أن يعلم لمن يكتب، وأين ينشر، كي تصل أفكاره الى أكبر عدد ممكن مهتم فيما يكتبه.

الاستمتاع في القراءة للآخرين، بل مساعدتهم

بعد فترة من الكتابة، سيجد المدوّن نفسه في تصالح مع ذاته، ولن يجد حرجًا في أن يقرأ لغيره، ويناقش غيره، فالتدوين يعلّم الشخص أن نقاش الكلمة يكون بالكلمة والحجّة، وما دام المدوّن يريد أن يطوّر من مهاراته ويبقى على اطلاع على مجريات الأحداث في مجال اهتمامه، فعليه أن يقرأ لغيره من المدونين، ويناقشهم ويهتم لآرائهم، إن رأس مال المدوّن كلماته وقرّاؤه، فإن هو لم يطلع على كلماتهم، أو كتاباتهم، ولم يرَ ما يقولوه غيره في نفس اهتمامه، فسيخسر من رأس ماله كثيرًا.

ومع مرور الوقت، سيكتسب المدوّن ثقة قرائه، وسيكون هو مصدرًا لأن يشجع غيره من المبتدئين في هذا المجال، فسيجد من يرسل له مقالاً لكي يقيمه له، أو سيجد من يطلب معونته في أمر معيّن، وهنا وبعد سنوات من التدوين، على كل مدوّن أن يسأل نفسه: هل أتخلّى عمن وثق بكلماتي، وأتكبّر على إجابة استفسار من يريد مساعدتي؟ بعد أن كنت يومًا في مكانه مبتدئًا؟! هنا يظهر التمايز بين شخص وآخر.

إن الاستفادة بعد أربع سنوات من بدايتي للتدوين قد تكون أكثر من ذلك، لكني أردت أن أوجز أهم الاستفادات من وجهة نظري والتي أراها مهمة للتركيز عليها لمواصلة هذا الطريق، وقد يكون من المفيد أيضًا القول بأن وسائل التواصل الاجتماعي قد سهلّت كثيرًا من التدوين، ومن الحصول على آراء القرّاء، ومن نشر المقالات والتجارب، وعليه عزيزي القارئ، إن كنت تنظر لأحد كتّابك المفضلين بعين الإعجاب لأسلوبه وعمق أفكاره، فها أنت قد عرفت كيف تبدأ، أنشئ مدونتك، واكتب آرائك وأفكارك، واقرأ بعمق، وحسّن من أسلوب كتابتك، وثق بنفسك كثيرًا، وليكن شعارك “فإذا عزمت فتوكل على الله”.

—–

المقال نشر أولا على ساسة بوست

رفقــًا

من سلسلة “مع أبي

(8)

في أوج المحنة، كانت تتسلل ابتسامة خفيفة على وجهه، كنت في وقتها لا أعرف سر هذه الابتسامة، فالأمور صعبة جدا، والحال لا يمكن أن يتحمله انسان، فكيف برب أسرة لا زال أبناؤه في بداية عمرهم!!

إن لهذه الابتسامة سر عجيب، ربما الى الآن لم أتوصل إلى هذا السر، ولكنني في كل يوم أواجه فيه صعوبة، أتذكر تلك الابتسامة التي كنت أراها منه، ولا أدّعي أبدا انني أستطيع أن أرسمها على وجهي، فهي تحتاج الى طاقة كبيرة وقدرة أعتقد أنني لم أصل إليها بعد.

اليوم أمر في ظروف صعبة، لا أجد للابتسامة الخفيفة مكان، ولكنني أتذكر ذلك اليوم بكل حذافيره، أتذكره وكأنه البارحة، نعم أتذكره،،

في ذلك اليوم، رجعت من مدرستي، كان يوما مرهقا، رأيت والدي _رحمه الله_ وقد كانت الظروف ليست بالشكل المطلوب، والمشاكل التي يواجهها كانت تحتاج الى أن يُمسك في خيوط حلّها، كان من ضمن هذه الخيوط أن اتخذ قرارا كنت أراه في ذلك الوقت مجحفا جدا، لقد استشطت غضبا، لم أستوعب ما يحصل.

خرجت من المنزل علّني أطفئ هذا الغضب، لكنه للأسف لم يزُل، عدت الى المنزل، دخلت غرفتي، وجلست قليلا بها، فرأيته يستأذن الدخول عليّ، ويسلّم عليّ والابتسامة الخفيفة التي على وجهه لا تزال موجودة، عرفت وقتها بأنه علمَ بأمر غضبي وانزعاجي،

سألني أنت زعلان لانه أخذت القرار هذا؟

قلت له: والله لا أرد لكَ قرارا ولكنني أراه قرارا صعبا؟

قال لي: أنت تعتبره ضعفا؟ لماذا لا تعتبره قدرة على تحقيق ما نريد ولكن بأسلوب استيعاب الآخرين بما لا يضر؟

أخبرته: وهل لا يوجد الا هذا الأسلوب لنحصل على ما نريد؟

أجابني: أخبِرني بأي شيء وأنا سأنفذه؟ والابتسامة لا تزال على وجهه

وقتها فكرت طويلا، وأجبته: لا يحضرني شيء الآن، وما حصل حصل،

قال لي وقتها كلماتٍ أرددها الى اليوم: لا تحكم على القرار (أي قرار) في وقته، انتظر قليلا لترى آثار هذا القرار، فما دمت ترتجي رضا الله، فلن يضيعك الله”.

نزلت هذه الكلمات عليّ يومها بردا وسلاما، وانتظرت طويلا حتى رأيت نتيجة هذا القرار، وفعلا لم يضيّعنا الله.

اليوم وبعد وقت طويل، أقول لنفسي:

“رفقا يا محمد، بنفسك وحالك” ،،،

رفقا فلن يضيّعك الله، لكن أخلص كل ما تقوم به له،

رفقا بمن حولك، واستوعب كثيرا ولا تغضب،

رفقا لأنك وانت تأخذ القرارات الكبيرة لن يفيدك الغضب ولا التمترس خلف رأيك،

رفقا لتحصل على ما تريد،

رفقا ولا تفقد نفسك،

رفقا، وانتظر نتيجة القرارات في المستقبل

رحمة الله على والدي

—–

أكيد الحمد لله..

في نهاية 2015

الكثير في هذه السنة يمكن أن اتحدث فيه، بعد أن بدأت التدوين عن انجازات كل عام ابتداءا من العام 2013، فقد وجدت في التدوين أمرا يثير الحماسة لبداية عام جديد مليء بالتفاؤل.

في 2015 واصلت ما كنت قد بدأته منذ فترة وهو القراءة لعدد لا بأس به من الكتب، وفي مجالات مختلفة، ولعل ما يمكن أن اتذكره من هذه الكتب هو قراءتي لكتب في “علم النفس” وكتب في التاريخ، وهو ما أنوي أن استمر عليه في العام القادم، فقناعتي أن القراءة والتفكر فيها هما السبيل الى تحسين الكتابة. (تجدون مراجعاتي للكتب على حسابي في goodreads على الرابط https://www.goodreads.com/user/show/15192522-mohammed

وعلى سيرة الكتابة، فقد واصلت الكتابة في المواضيع التي أرى أنها “استفزتني” لأكتب عنها، فأنا لا أكتب لمجرد أن يقال عني “كاتب” أو “لأنشر” ولكن أكتب فقط عندما أشعر بأن الكلمات في داخلي يجب أن تخرج، فكتبت في مواضيع الشباب، وعن تركيا، وكتبت عن الأفلام وأهم ما يمكن أن نستفيد منها، وها انا استمر في ذلك. ولعل من الأمور المبهجة بالنسبة لي فيما يخص الكتابة هو كتابتي في موقعين جديدين لم أكتب من خلالهما سابقا، وهما موقع هافنغتون بوست عربي، وموقع ساسة بوست، مع استمراري في الكتابة على موقع نون بوست. (تجدون مقالاتي على هذه المواقع على الروابط التالية:

هافنغتون بوست عربي: http://www.huffpostarabi.com/mohammed-kamal/

ساسة بوست: http://www.sasapost.com/author/mohamed569/

نون بوست: http://www.noonpost.net/author/3659

أما فيما يتعلق في مدونتي https://afkareng.wordpress.com/ فقد واصلت الكتابة من خلالها، خصوصا “سلسلة مع أبي” وأفتخر بأن واصلت الكتابة في هذا الموضوع، والذي سيتطور في العام القادم ليتجاوز كونه مجرد تدوينات.

على صعيد التطوير المهني، فقد انتهيت في هذا العام من “دبلوم الريادة وتطبيقات الأعمال” وبالتالي فقد حققت ما كنت أتطلع إليه، وهو أن احصل على المعلومات النظرية في مجال الريادة قبل أن أبدأ في خوض التجربة العملية، والتي ان شاء الله ستكون مع بداية العام القادم في “موقع إيجابي” (صفحة الموقع على فيسبوك: https://www.facebook.com/SawaPlaning ). بالاضافة إلى أنني أسعى من خلال الحصول على هذا الدبلوم إلى دخول سوق التدريب في مجال ريادة الأعمال، وهو ما سأسعى إليه في العام القادم.

في هذه السنة أيضا، عدت الى المجال الذي أحب، وهو المجال الأكاديمي، بعد انقطاع دام اكثر من 3 سنوات، وهنا وفي كل مرة أسرح بها مع نفسي أقول: “من كان يتوقع أن اعود الى التدريس وانا الذي كنت قد فقدت الأمل في ذلك نتيجة الانقطاع الطويل؟، الا انني أستدرك ذلك بقولي: ان وضعت شيئا في بالك وأردته بشدة، فسوف تحققه بعد ارادة الله” وهذا ما حصل معي في هذا الجانب. وبالتأكيد سأواصل العمل عليه في العام القادم، وأطرق أبوابا جديدة أيضا للعمل الأكاديمي.

ومن الأمور الجملة جدا والتي أفتخر بأنها حدثت معي، هي حلولي ضيفا على “إذاعة تطاوين” التونسية، من خلالها تحدثت إلى أشقائنا في تونس الخضراء، وتحدثت إلى الشباب هناك، وتحدثت إلى ما يقرب الساعة الكاملة ولم أجد نفسي غريبا عليهم، فقد كانوا رائعين جدا، وأشعروني بصدق كلماتهم وأخوّتهم.

صحيح أنني أتحدث هنا عن الانجازات، ولكن هناك الكثير من الاخفاقات أيضا، كان من ضمن هذه الاخفاقات أنني لم استطع الحصول على تمويل لازم لبدء مشروع “إيجابي” على نطاق واسع. كما وكان هناك اخفاق آخر وهو أنني لم اواصل خطة الرياضة التي كنت انوي القيام بها، والتي كان من اهمها الجري أسبوعيا.

في العام القادم، هناك الكثير من المهام والآمال التي أنوي القيام بها، فأدعو الله أن يلهمنا الهمّة والصبر والحكمة.

نلقاكم بعد عام ان كان في العمر بقية
🙂

#اللهم_همّة

أكيد.. الحمد لله

من سلسلة “مع أبي

(7)

ما شجعني أن أكتب هذه التدوينة من هذه السلسلة هو سؤال اخصائي التحاليل الطبية لي عن أي أمراض أعاني منها قبل أن يسحب مني عيّنة التبرع بالدم، فكان جوابي “لا.. الحمد لله”، فسألني سؤالا ثانيا “هل تدخن؟” فأجبته أيضا “لا.. الحمد لله”، واستمر في طرح الأسئلة وانا أجيبه “لا.. الحمد لله”، وقد وافقت اجاباتي نتيجة التحاليل المبدئية التي يقومون بها في المختبر قبل أخذ العينة.

خلال هذا الوقت كنت أجيب الاخصائي وذهني قد عاد بعيدا الى الوراء في الذاكرة، الى ما قبل أكثر من 15 سنة، إلى الوقت الذي كان يسألني فيه والدي _رحمه الله_ في كل مرة يراني فيها يوميا “انت بتقدر تطلع الدرج من غير ما تلهث*؟” وأنا أجيبه “أكيد.. الحمد لله”، فيعاود عليّ السؤال مرة ثانية ولكن بصيغة أخرى “بتقدر تجري مسافات طويلة وما تشعر بالتعب الشديد؟” فأجيبه “أكيد.. والحمد لله”، فيبادرني بسؤال ثالث “بتقدر تلعب كورة طوال فترة الشوطين من غير ان تشعر بالتعب الشديد؟” فأجيبه أيضا “أكيد.. الحمد لله”.

كنت أعتبر هذه الأسئلة في ذلك الوقت مجرد اطمئنان والدي _رحمه الله_ على صحتي بين الفينة والأخرى، خصوصا وأن والدي كان يهتم بهذا الامر كثيرا. ولم يقتصر اهتمامه بهذه الأسئلة، فأنا أتذكر وأنا في الابتدائية و في سنين عمري الأولى أنه كان يصحبني الى المستوصف القريب من بيتنا ليطمئن على أسناني أنا واخوتي، ويطمئن على نظرنا، وصحتنا.

كل ذلك تذكرته وأنا أجيب الأخصائي على أسئلته، خصوصا حينما كانت اجابتي على كل الأسئلة “بالنفي” أي بأنني أتمتع بصحة جيدة، ذلك لأن الفضل لله أولا ثم لوالدي الطيب الذي قضى وقتا طويلا وهو يتابع ويهتم ويسأل عن صحتنا.

اليوم وفي كل مرّة أصعد فيها درجا طويلا، أستصغر نفسي اذا “لهثت”، وأذكر نفسي باجابتي “أكيد .. الحمد لله”.

اليوم وفي كل مرّة أجري فيها لمسافات طويلة، أتذكر سؤاله، وأجيب نفسي “أكيد.. الحمد لله”، وأمنع نفسي من أن أتعب.

اليوم وبعد اجابتي بالنفي على أسئلة الأخصائي قلت في نفسي “الحمد لله”، هذا غرس والدي واهتمامه.

اليوم يا والدي كنتَ معي وأنا أحمد الله على صنيعك، فرحمك الله رحمة واسعة، وأثابك عنّي خير الجزاء.

_رحمه الله_

*يلهث: يتنفس بسرعة شديدة

——

يوم كنت مراهقا

يوم كنت مراهقا

من سلسلة “مع أبي”

(6)

في كل مرة أقرأ فيها كتابا أحاول أن أفكر كثيرا في كلماته وجمله علّها تلامس واقعا عايشته في حياتي أو تجربة مررت بها. هذه المرّة كانت قراءتي في كتاب “المراهق .. كيف نفهمه وكيف نوجهه” للدكتور عبدالكريم بكار، وكان تفكيري في مفرداته وكلماته يتجاوز حدود حياتي الحالية ليعود وراءًا الى ذكرياتي مع والدي _رحمه الله_ وأنا في تلك المرحلة العمرية، حيث أنني عشت تلك الفترة كلها بين أكنافه وذكرياتي معه في هذا الجانب كثيرة، وكلها قفزت أمام ذاكرتي وأنا أقرأ في هذا الكتاب ولعل ما جعلها كذلك هو مطابقة ما قرأته مع كل تصرف كان من طرف والدي معي في تلك الفترة.

عدم التوبيخ عند سوء التصرف

أذكر وأنا في سنوات دراستي الجامعية الأولى أنني رفضت التقدم لمنحة دراسية لاشتراطها شروطا كنت اعتبرها في وقتها غير ضرورية، وأهملت الطلب، وفي العام القادم علم والدي بأمر المنحة وجاء ليخبرني بها فأوضحت له وجهة نظري وأنني لا أنوي التقدم لها لنفس أسباب العام الماضي، حينها ابتسم ابتسامة من يريد أن ينصحني، فأطرقت السمع لما يود قوله، وقد جاء رأيه عن هذه الشروط الموضوعة في المنحة معاكسا لرأيي، ففكرت في كلامه فوجدت ما أخبرني به مقنع جدا وأن نظرتي للأمر كانت خاطئة وتصرفي كان سيئا برفضي للتقدم للمنحة، فاعتذرت منه وقتها ووعدته بأنني سأتقدم لها.

الشاهد هنا أنني ومع خطئي الفادح في عُرف الدراسة هنا في غزة، وضياع فرصة منحة دراسية عليّ بسبب سوء تقديري وتصرفي الا أن والدي حينها لم يعنفني أبدا ولم يوبخني، بل ابتسم وقتها ونصحني ووجهني مما دفعني الى التقدم للمنحة بكل رغبة في الحصول عليها وقد كان.

الإطمئنان دون الازعاج

كان والدي _رحمه الله_ حريصا على متابعة تصرفاتي وأماكن تواجدي، ليس من باب السيطرة أو ازعاجي بذلك، ولكن من باب الاطمئنان على سير حياتي، وقد عرفت ذلك الآن..، فقد كنت في السابق أنظر الى زملائي ومن أعرفهم أو من أسمع عنهم وأظن أنهم ينعمون بحرية في الحركة أكثر مني كوني محاط باطمئنان والدي المستمر، وبتفكير الشاب المراهق وقتها فقد كنت أظن ذلك من قبيل السيطرة، ولكن وبعد فترة طويلة أيقنت أن هذا الاطمئنان لم يكن أبدا مزعجا بل على العكس كان مصدرا للأمان والثقة بالنفس أكثر.

أذكر في مرّة أخبرت والدي بأنني أود الذهاب إلى مكان معيّن مع مجموعة من الأصدقاء (أذكر وقتها كانت دورة تدريبية)، فوجدته بعد ساعات يطمئن عليّ في ذلك المكان، ويتعرّف على أصدقائي ويتحدث معهم ومن ثم تركنا نكمل ما كنّا نقوم به.

التوجيه عند الخطأ

كثيرا ماكان والدي يتبع معنا أسلوب “جرّب وأخطئ وتعلم” فلم يكن يفضّل أبدا أن يلقننا ما نفعل، بل كان يؤمن بأن الحياة المتغيرة التي يعيشها الانسان تحتم عليه أن يجرب بنفسه ليتعلم ويأخذ العبرة والعظة بل ويشعر بشعور الانجاز عند اتمام المهمة. وقد كان من الطبيعي وأنا في سن المراهقة أن اخطئ، ولكن أبدا لم أجد أي تعنيفا عند الخطأ حتى لو كان فادحا، لأنه _رحمه الله_ كان ينظر للخطأ على أنه تجربة ويأتي التوجيه بعده. ولعلّي هنا أذكركم بتدوينة “الوقت أمانة” والتي كانت تتحدث بموضوع قريب من هذا الأمر.

التفويض في أعمال المنزل

كثير من المراهقين يعتبرون طلب الأهل منهم مساعدتهم في أعمال المنزل أو شراء بعض حاجياته نوعا من أنواع التعذيب وتضييعا لأوقاتهم، ولا أخفيكم فقد كنت من هؤلاء المراهقين إلى أن تعلمت اليوم كم من الأوقات أضعناها ونحن بعيدون عن أعمال المنزل وتلبية حاجياته.

نحن اليوم نعرف عن علم التفويض في الادارة، وايجابياته الكثيرة في اكتساب الخبرات وتسيير المهام، ولو كنا ونحن صغارا نعرف هذا المفهوم لعرفنا وفهمنا أن طلب الأهل منا في مساعدتهم في أعمال المنزل هو نوع من أنواع التفويض لبعض صلاحياتهم لنا، ويا لعظيم الخبرة والتجربة وقتها التي يمكن أن نحصل عليها.

حرية الاختيار

أذكر بعد ظهور نتائج الثانوية العامة، وكنت وقتها أريد دراسة تخصصا مختلفا عن التخصص الذي درسته الآن، سألت والدي عن رأيه فأجابني “لك حرية الاختيار، فأنت من سيدرس” وقد ترك أمامي كل الخيارات مفتوحة للتفكير حتى اختيار أن أسافر للخارج لأدرس ما أريد. في وقتها ظننت أن الأمر لا يتعدى كونه مجرّد كلام يريد أن يطبطب به عليّ، ولكن مع مرور الوقت، وبعد أن درست ما اخترته في ذلك اليوم عرفت أنه كان يريد منّي وقتها أن أجلس مع نفسي وأقيّم الوضع العام الذي أعيشه وجميع الايجابيات والسلبيات لأي قرار سأتخذه، والذي كان بمثابة درس عملي لي على ضرورة أخذ القرار بعد ترك حرية الاختيار لي. كان وقتها ينتظر قرار بعد التفكير وليس بعد رد الفعل على النتيجة، وعندما قررت أذكر أنه قال “توكل على الله واستعن به”.

الترحيب بأصدقائي

من الأمور الجملية جدا التي كان يتبعها والدي معي هي تعرّفه على أصدقائي والحديث معهم ومسايرتهم والتعرف على حالهم وأحوالهم. لقد كان يحب أن يتعرف عليهم لدرجة أنه كان يسألني عنهم عندما لا ألتقيهم أو لا أتحدث عنهم أمامه.

_رحمه الله_ كان يعرف بأن المراهق يكون أقرب إلى أصدقائه من أهله، فكان بتصرفه هذا يحببّ أصدقائي لي بل ويحببني به وبأهلي أكثر، ويشعرني بالأمان أكثر.

 

بعد قراءتي للكتاب، انتابني تساؤلا: هل قرأ والدي من قبل عن كيفية التعامل مع المراهق؟

ما أعرفه من اجابة هو أن تجربتي مع والدي في تلك الفترة كانت بمثابة الكنز الذي استخرجه الآن بعد أن بلغت أشدّي… وأي كنز

_رحمه الله_

لا تنسوا والدي من دعوة صالحة صادقة

———

القرآن فهما وعملا

المحاضرة الأولى: فرصة منسيّة لتوجيه الطلبة

 

BZ5ZBnBIAAAhcVL

في ظل كل ما تمر به بلادنا العربية من فوضى واقتتال، ووجود جو من الإحباط واليأس ينخر في جسد الأمة وينخر في جسد شبابها، يبقى هناك بصيص أمل ولو صغيرا يمكن أن يساعد على استدراك ما يمكن استدراكه من روح الشباب وعودة روح الايجابية والتفاؤل في نفوسهم.

بصيص الأمل هذا هو دور المحاضر الجامعي الذي يتجاوز دوره الرئيسي في شرح المادة العلمية النظرية او العملية، وتوجيه الطلبة الى البحث العلمي، ليتجاوز هذا الدور الى دور المحاضر الجامعي المجتمعي، الذي يكون دوره توعية الطلبة لكل ما يدور حولهم من أحداث، وإعطاء الطلبة طاقة ايجابية ليستطيعوا ان يقوموا بواجبهم على أكمل وجه في التحصيل العلمي.

مخطئ من يظن أن التعليم وحده هو من سيجعل من الطلبة علماء وباحثين، ومخطئ من يظن بأن إعطاء المحاضرات والواجبات وعمل الأبحاث هي وحدها فقط كفيلة أن تجعل من الطلبة يحبون ذلك ويجتهدون فيه، ربما ينجح ذلك مع بعض قليل من الطلبة، ولكنه بالتأكيد لن يكون ذا جدوى لباقي الطلبة، ذلك أن أكثرهم ربما ليس مقتنعا بضرورة الاجتهاد في الدراسة ليكون المستقبل أفضل، أو لأن بعضهم يعانون من الاحباط نتيجة ما تمر به بلادنا ولسان حالهم يقول “لن نصلح ما افسده الدهر”.

إن واحدة من أساليب التغلب على هذه الآفة (آفة الاحباط) أن يكون للمحاضر الجامعي دور مجتمعي، وقد يتساءل البعض، ولماذا المحاضر الجامعي بالذات؟

الاجابة بكل بساطة هي أن المحاضر الجامعي بالنسبة للطلبة هو نموذج يتمنون أن يكونوا مثله في يوم من الأيام، وبالتالي فإن كلماته لهم لها وقع خاص في نفوسهم وتصيب سهام كلماته قلوبهم، وعلى ذلك فإن هذا المحاضر الجامعي ان لم يكن من الطلبة أقرب وكلماته لهم مشجّعة على الحياة والاستمرار في النشاط والايجابية فإنه بذلك يفقد دورا رئيسيا من أدواره التي يجب أن يقوم بها. لذلك فعليه أن يستغل الأوقات التي يمكن له الحديث بها عن المستقبل والتطوير، ومن هذه الأوقات وربما أفضلها “المحاضرة الأولى في الفصل الدراسي”.

إن المحاضرة الأولى في الفصل الدراسي هي من أهم اللحظات التي يمكن أن يستفيد منها المحاضر سواء في توجيه الطلبة الى الحياة الأفضل والنشاط والايجابية، أو لتوجيه الطلبة الى أنه بالعلم والاجتهاد والبحث تُبنى الأوطان ويأخذ كل انسان دوره. إن كثير من المحاضريين لا يعيرون المحاضرة الأولى أي اهتمام، فيدخل القاعة ويبدأ بسرد المادة ومحتوياتها وتوزيع درجاتها وما هو مطلوب من الطلبة، وما إن ينتهي حتى يبدأ بشرح الوحدة الأولى وربما ينتهي منها في نفس المحاضرة، وإن سألتهم لماذا تهملون التوجيه المجتمعي للطلبة في أول محاضرة، فإن الاجابة تكون من قبيل “المادة كبيرة يادوب نلحق نخلصها!!” أو “المحاضرة مكان للعلم وليس للحديث عن المستقبل والنشاط والايجابية!!” أو “هناك أماكن أخرى مسؤولة عن هذا الكلام، ولكن المحاضرة فقط للشرح والدراسة!!”

لا أحد يختلف على أن المحاضر يجب عليه ان يعطي الطلبة كل مفردات المادة، ولكن في أول محاضرة ينتظر الطلبة من الأستاذ الجامعي أمرا آخر، هم ينتظرون أن يسمعوا لنموذجهم، أن يعرفوا كيف أصبح محاضرا جامعيا، أن يسمعوا كيف يفكرون؟ وكيف يدرسون؟ وكيف يتحلوا بالايجابية؟ وكيف ينزعوا الإحباط من نفسوهم، وكيف يروا مستقبلهم؟

وكل هذا يمكن أن يكون في المحاضرة الأولى!!!

أذكر أنني في أول محاضرة في الفصل الدراسي الماضي قلت للطلبة وقتها “اليوم لن نتحدث عن المساق، ولكننا سنتحدث عن المستقبل، عن الأمل، وعن الطموح، سنتحدث اليوم عن “أين يرى كل واحد منكم نفسه بعد 10 سنوات”. لقد كانت النتيجة بالنسبة لي رائعة، لقد شارك جميع الطلبة في أمنياتهم، لقد سافروا بعيدا إلى أحلامهم، حتى ظننت أنني الوحيد الذي سألتهم هذا السؤال وأتحت لهم فرصة الحديث عن المستقبل!! ، ولفت نظري إجابة أحدهم عندما أجابني “أريد أن أكون مكانك أستاذ” فابتسمت وأخبرته “ستحقق ذلك، فقط اجتهد ولا تستسلم”.